الشنقيطي
344
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الجسم من إنسان وحيوان ، بل وخشب ونحوه . ولا يردها إلّا مادة الرصاص لكثافة معدنه ، فتصور داخل جسم الإنسان من عظام وأمعاء وغيرها ، فلا معنى لرد شيء لعدم رؤيته . تنبيه قد أطلق الحسد هنا ولم يبين المحسود عليه ، ما هو مع أنه كما تقدم زوال النعمة عن الغير . وقد نبه القرآن الكريم على أعظم النعمة التي حسد عليها المسلمون عامة ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، وهي نعمة الإسلام ونعمة الوحي وتحصيل الغنائم . فأهل الكتاب حسدوا المسلمين على الإسلام في قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ البقرة : 109 ] . والمشركون حسدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نعمة الوحي إليه ، كما في قوله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 54 ] . والناس هنا عام أريد به الخصوص ، وهو النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [ آل عمران : 173 ] . فالناس الأولى عام أريد به خصوص رجل واحد ، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي . ومما جاء فيه الحسد عن نعمة متوقعة . قوله تعالى : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ الفتح : 15 ] . فتبين بنص القرآن أن الحسد يكون في نعمة موجودة ، ويكون في نعمة متوقع وجودها . تنبيه آخر توجد العين كما يوجد الحسد ، ولم أجد من فرّق بينهما مع وجود الفرق .